أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
320
التوحيد
( والدلائل ) أي البراهين ( الدالة على وحدة الوجود ) أي على أنه لا وجود إلا الوجود الواحد الحق سبحانه وتعالى ولا يمكن أن يكون عقلا ولا شرعا إلا الوجود الواحد الحق تعالى ، وكل ما سواه تعيناته وتقاديره وتصاويره سبحانه لا وجود لها أصلا ( كثيرة ) لا تكاد تحصى . ( أما من القرآن قوله عز وجل : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي المشرق وما فيه والمغرب وما فيه وذلك قوله ( وله كل شيء ) وقوله لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ثم بين ذلك بقوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا أي تقبلوا بقلوبكم أو بوجوهكم ( فثم ) أي هناك ( وجه ) أي ذات ( اللّه ) وهو الوجود الحق تعالى ، وكل شيء تقبلون عليه إنما هو تقدير ذلك الوجود الواحد الحق سبحانه وتصويره لا نفس وجه اللّه أي ذاته . ولهذا قال : ثمّ ، أي هناك كما ذكرنا ، وقال تعالى أيضا : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وهو العرق الذي في العنق وهو مجرى حياته ، أي نحن أقرب إليه من سبب حياته الذي هو حبل الوريد ، يعنى أن حياته في نفس الأمر بنا لا بسبب شيء آخر وقال تعالى أيضا : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي إلى ذلك الذي بلغت فيه أي النفس الحلقوم مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ قربنا إليه وإليكم أيضا لاشتغالكم به وبكم عنا وهو الاشتغال بالصور والأشكال الفانية العدمية عن الوجود الواحد الحق الخالق البارئ المصور وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يا محمد على الدين وشرائع الأحكام إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ في نفس الأمر يُرِيدُ اللَّهُ التي مدت لهم بالبيعة وهي من حيث الصورة العدمية المفروضة المقدرة يد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومن حيث الوجود الواحد الحق سبحانه يد اللّه عز وجل فَوْقَ أَيْدِيهِمْ كلهم ، وهم وأيديهم كذلك ، ولكنهم لا يعلمون ، وقال تعالى أيضا هُوَ الْأَوَّلُ فلا شيء قبله وَالْآخِرُ فلا شيء بعده وَالظَّاهِرُ فلا شيء معه وَالْباطِنُ فلا شيء فيه وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لأن الأشياء كلها تقاديره وتصاويره العدمية فهي قائمة به قيام التقادير بالمقدر لها والتصاوير بالمصور لها وقال تعالى أيضا وَفِي أَنْفُسِكُمْ التي هي تقادير وتصاوير الوجود الواحد الحق سبحانه ، والوجود الحق الواحد سبحانه من ورائها محيط كما قال تعالى : واللّه من ورائهم محيط أَ فَلا تُبْصِرُونَ فترون الوجود الواحد الحق الذي قيام نفوسكم به وقال تعالى أيضا وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فقالوا لك مثلا أين فَإِنِّي قَرِيبٌ أي أقرب إليهم منهم لأني أنا الوجود الواحد الحق الظاهر لهم منهم محيط بهم وهم لا يشعرون ولهذا يسألونك عني وقال تعالى أيضا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما رَمَيْتَ يا محمد بقوة وجودك إذ لا وجود لك غير وجودنا فلا قوة لك غير قوتنا إِذْ رَمَيْتَ أي حين رميت بصورتك التي هي تقديرنا وتصويرنا وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى بقوة وجوده الواحد الحق وأن القوة للّه جميعا ، وقال تعالى أيضا : وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً